فخر الدين الرازي
427
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل : المسألة الأولى : المروي عن ابن عباس هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وهي نفس آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها أي حواء خلقها اللَّه من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى فَلَمَّا تَغَشَّاها آدم حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً . . . فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال : ما هذا يا حواء / إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج ؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك ؟ فخافت حواء ، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام ، فلم يزالا في هم من ذلك ، ثم أتاها وقال : إن سألت اللَّه أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله : فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أي لما آتاهما اللَّه ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً ، والمراد به الحرث هذا تمام القصة . واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قال : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة . الثاني : أنه تعالى قال بعده : أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ [ الأعراف : 191 ] وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء للَّه تعالى ، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر . الثالث : لو كان المراد إبليس لقال : أيشركون من لا يخلق شيئاً ، ولم يقل ما لا يخلق شيئاً ، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة « من » لا بصيغة « ما » الرابع : أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس ، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث ؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم ؟ الخامس : أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح ، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار . فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس ، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس : أن بتقدير أن آدم عليه السلام ، سماه بعبد الحرث ، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له ، أو جعله صفة له ، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله . فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً باللَّه لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة ، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك ، وإن كان الثاني كان هذا قولًا بأن آدم عليه السلام اعتقد أن للَّه شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم ، وذلك لا يقوله عاقل . فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه . إذا عرفت هذا فنقول : في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد .